عبد الرحمن السهيلي

48

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

ما لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم من قومه فصل : فيما لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم من قومه ، ذكر ابن إسحاق والواقدي والتيمي ، وابن عقبة وغيرهم في هذا الباب أموراً كثيرةً تتقارب ألفاظها ومعانيها ، وبعضهم يزيد على بعض ، فمنها حثو سفهائهم التراب على رأسه ، ومنها أنهم كانوا ينضدون . الفرث والأفحاث والدماء على بابه ، ويطرحون رحم الشاة في برمته ، ومنها : بصق أمية بن خلف في وجهه ، ومنها : وطء عقبة بن أبي معيط على رقبته ، وهو ساجد عند الكعبة حتى كادت عيناه تبرزان ، ومنها أخذهم بمخثقه حين اجتمعوا له عند الحجر ، وقد ذكره ابن إسحاق ، وزاد غيره الخبر أنهم خنقوه خنقاً شديداً وقام أبو بكر دونه فجبذوا رأسه ولحيته حتى سقط أكثر شعره ، وأما السب والهجو والتلقيب وتعذيب أصحابه وأحبائه ، وهو ينظر ، فقد ذكر من ذلك ابن إسحاق ما في الكتاب ، وقد قال أبو جهل لسمية أم عمار بن ياسر : ما آمنت بمحمد إلا لأنك عشقته لجماله ، ثم طعنها بالحربة في قبلها حتى قتلها ، والأخبار في هذا المعنى كثيرة . سبب في تلقيبه بالمدثر : وذكر ابن إسحاق قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : دثروني دثروني فأنزل الله تعالى : « يا أيُّها الْمدَّثِر قُمْ فأَنْذِر » قال بعض أهل العلم : في تسميته إياه بالمدثر في هذا المقام ملاطفة وتأنيس ، ومن عادة العرب إذا قصدت الملاطفة أن تسمي المخاطب باسم مشتق من الحالة التي هو فيها ، كقوله عليه السلام لحذيفة : قم يا نومان ، وقوله لعلي بن أبي طالب وقد ترب جنبه : قم أبا تراب فلو ناداه سبحانه ، وهو في تلك الحال من الكرب باسمه ، أو بالأمر المجرد من هذه الملاطفة لهاله ذلك ، ولكن لما بدئ ، بيأيها المدثر أنس ، وعلم أن ربه راض عنه ، ألا تراه كيف قال عندما لقي من أهل الطائف من شدة البلاء والكرب ما لقي : رب إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي إلى آخر الدعاء ، فكان مطلوبه رضا ربه ، وبه كانت تهون عليه الشدائد . تلقيبه بالنذير العريان : فإن قيل : كيف ينتظم يا أيها المدثر مع قوله : قم فأنذر ، وما الرابط بين المعنيين ، حتى يلتئما في قانون البلاغة ، ويتشاكلا في حكم الفصاحة ؟ قلنا : من صفته عليه السلام ما وصف به نفسه حين قال : أنا النذير العريان ، وهو مثل معروف عند العرب ، يقال لمن أنذر بقرب العدو ، وبالغ في الإنذار ، وهو النذير العريان ، وذلك أن النذير الجاد يجرد ثوبه ، ويشير به إذا خاف أن يسبق العدو صوته ، وقد قيل : إن أصل المثل لرجل من خثعم سلبه العدو ثوبه ، وقطعوا يده ، فانطلق إلى قومه نذيراً على تلك الحال ، فقوله عليه السلام : أنا النذير العريان أي : مثلي مثل ذلك ، والتدثر بالثياب مضاد للتعري ، فكان في قوله : « يا أيها المدّثر » مع قوله : « قم فأنذر » والنذير الجاد يسمى : العريان : تشاكل بين ، والتئام بديع وسماقة في المعنى ، وجزالة في اللفظ .